|

غلاف الكتاب ثارت حفيظة مسؤولي الجبهة التركمانية العراقية بقرار بريمر اختيار سونغُل جابوك لتمثيل التركمان. وجابوك تركمانية سنّية من أهل كركوك الأصليين، كانت مهندسة مدنية ومارست التدريس، ويبدو أنها أثارت انتباه سلطات التحالف خلال عملها مترجمة لسلطة الائتلاف الموقتة في كركوك. وكانت خبرة جابوك السياسية الوحيدة التي تستحق الذكر ترؤسها منظمة نسوية عراقية، فكان ذلك على وجه التحديد الخلفية التي يبحث عنها بريمر لتقديم "وجه العراق الجديد" لكنه لم يُكسبها شعبية بين غالبية القادة السياسيين التركمان. وفي مؤتمر صحفي لشجب تعيينها أطلق زعيم الجبهة التركمانية العراقية سنان أحمد آغا وصفاً غريباً بعض الشيء على جابوك قائلاً إنها "فنانة كبيرة لا تمت بصلة إلى السياسة ولم تشارك ذات يوم في أي نشاطات سياسية" وشجب تعيينها بوصفه "خيانة" للتركمان. واتفق معه بياتلي، رافضاً جابوك بوصفها "مترجمة للاميركيين لا يمكن أن تمثل التركمان". في هذه الأثناء أصدر الأمين العام للاتحاد الإسلامي لتركمان العراق عباس البياتي مذكرة جاء فيها أن الشيعة الذين يمثلون 50 في المئة من التركمان أصيبوا بإحباط وامتعاض شديدين عندما وجدوا أنهم بلا ممثل في المجلس. لذا قرر قادة الجبهة التركمانية العراقية أن جابوك لا تمثل التركمان لأنها لا تنتمي إلى تنظيمهم، وعدّ القادة التركمان الشيعة أنها لا تمثل التركمان لأنها سنّية. وكان موقف الجبهة التركمانية العراقية يعني أن مصالح التركمان لا يمثلها تمثيلاً وافياً إلا عضو في الجبهة، في حين كان موقف البياتي يعني أن التركمان السنة لا يمكن أن يمثلوا مصالح التركمان الشيعة. وإزاء كون الجبهة التركمانية العراقية تنظيماً سنياً بأغلبية ساحقة، فإن هذا الاختلاف الأساسي في الموقف أماط اللثام عن موطن خلل أعاق جهود الجبهة لتعبئة التركمان تحت رايتها، وانتقص بشكل جدي من مصداقية دعواها بكونها الممثل الشرعي الوحيد لهذا المكوِّن. لم يتحسن الوضع بالنسبة للتركمان باعلان المرشحين الخمسة والعشرين لعضوية الوزارة في أوائل أيلول. وباستثناء بيان جبر (المعروف أيضاً باسم بيان باقر صولاغ)، العضو الشيعي في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق (قبل تغيير اسمه)، الذي عُين وزيراً للإسكان والإعمار، فإن ممثل التركمان الوحيد في الحكومة كان وزير العلوم والتكنولوجيا الجديد رشاد مندان عمر. ويبدو أن تعيين عمر، وهو مهندس مدني آخر مغمور سياسياً، جاء عشوائياً عندما اختارته جابوك من قائمة تضم 50 مرشحاً تركمانياً. وبأمانة ساحرة كشفت جابوك لصحيفة كريستيان ساينس مونتر طريقتها في التوصل إلى القرار. وبحسب الصحيفة فإن جابوك "قرأت 50 نبذة تلقتها ثم كتبت الأسماء الواعدة أكثر من غيرها، وأغمضت عينيها وقرأت سورة الفاتحة وبذلك وضعت إصبعها على إسم وزير العلوم والتكنولوجيا العراقي الجديد". على النقيض من ذلك مُنح الكرد خمس حقائب من الحقائب الوزارية الخمس والعشرين، بما فيها حقيبة الخارجية التي يقترن بها قدر كبير من الوجاهة. كان دور مجلس الحكم والحكومة هامشياً في إدارة شؤون العراق، لا تُنفذ قراراتهما إلا إذا كانت متطابقة مع آراء بريمر، وتُقابل بالتجاهل عندما لا تتفق معها. وأخذ بريمر على عاتقه انتقاء الوزراء على أساس محاصصة طائفية محدَّدة مسبقاً يُفترض أنها تعكس بدقة مكوِّنات المجتمع العراقي. ولكن هذه التعيينات كانت تنطوي على أهمية رمزية بالغة، لا سيما بالنسبة للكرد والتركمان. وكان واضحاً أن الكرد ي يُعدّون أحد "المكوِّنات الأساسية" للمجتمع العراقي، والتركمان أُحيلوا مع المسيحيين إلى خانة المكوِّنات "الأخرى". ومن زاوية الوصول إلى رافعات السلطة فإن التركمان عملياً لم يعودوا عاملاً له ثقله في السياسة الوطنية ابتداء من تلك اللحظة فلاحقاً. احتقانات طائفية في كركوك كانت الحوادث الأمنية الخطيرة في كركوك قليلة ومتباعدة خلال الأشهر الأولى من الاحتلال. أما الأكثر مدعاة للقلق فكان نزوع القادة السياسيين، لا سيما قادة الجبهة التركمانية العراقية، إلى استغلال ما يحدث من أعمال عنف لأغراض سياسية. ومن مظاهر ذلك رد فعل الجبهة على مقتل تركماني وابنه في منتصف نيسان. فاستناداً إلى صحيفة "آغي"، "أخذ ناشطون تركمان جثة الصبي ولفوها بأعلام تركية وقاموا بتصويرها وتسجيلها ثم عرضوها على الصحفيين الأجانب". وقال مراقب أجنبي لحقوق الإنسان كان في مكان الحادث "إن ما يثير القلق إقدام الجبهة التركمانية العراقية على توظيف مقتل هذا الصبي لا لتنحو باللائمة على الكرد فحسب بل بصفته رمزاً اثنياً لدعوة الأترك إلى المجيء وإنقاذهم". من أعمال العنف القليلة نسبياً التي وقعت بين تركمان المدينة وكردها، كان أخطر هذه الحوادث نتيجة هجوم مسلح على مرقد يزوره التركمان الشيعة في قضاء طوز خورماتو المجاور في آب 2003. ففي غمرة الاضطرابات التي أعقبت الهجوم قُتل ما بين خمسة وسبعة تركمان وثلاثة كرد بأعيرة نارية. وحدث إطلاق نار أوقع قتيلين آخرين من التركمان خلال تظاهرة نظمها التركمان في اليوم التالي في مدينة كركوك احتجاجاً على الحادث. ولم يثنِ غياب الدليل على ضلوع الاتحاد الوطني الكردستاني رسمياً في الحادث الأصلي، الجبهة التركمانية العراقية عن اتهام قوات البشمركة التابعة للاتحاد بالمسؤولية. وسعت الجبهة إلى استغلال الحادث لتأجيج مشاعر الغضب قدر الإمكان، وقامت بتنظيم موكب لنقل جثث الضحايا التركمان إلى النجف من أجل دفنها هناك. ووصفت صحيفة "تركمان آيلي" الناطقة باسم الجبهة التركمانية العراقية مشهد التشييع قائلة أن "جثث الشهداء نُقلت في موكب إلى مدينة النجف الأشرف لدفنهم فيها. وبعد وصول الموكب إلى بغداد توجه إلى فندق فلسطين حيث تقيم وسائل الإعلام العالمية. وعُرضت الجثث على الإعلام العالمي ليتأكد العالم كله أننا محرومون من الأمن في بلدنا ونعيش تحت طائلة القمع". ولكن النزاع التركماني ـ الكردي كان في الغالب يقتصر على خوض حرب كلامية أسلحتها خطابية تحريضية واتهامات متبادلة. وكان تقريباً كل حادث يقع بين أفراد من المكوِّنيْن جزءاً من مؤامرة أميركية ـ كردية للسيطرة على المدينة ومحو هويتها التركمانية (بحسب وسائل الإعلام المرتبطة بالجبهة التركمانية العراقية). اما العلاقات الكردية - العربية أما العلاقات الكردية ـ العربية فكانت تحكمها القضايا المتعلقة بحقوق المُلكية وعودة الكرد المهجرين إلى المنطقة ومصير الوافدين. وبالرغم مما ينذر به هذا السيناريو من احتمالات بوقوع أعمال عنف واسعة النطاق، فإن الحوادث المرتبطة بتهجير عرب من أراضيهم وممتلكاتهم في عمليات منهجية قسرية، كانت الاستثناء وليس القاعدة. وتردد أن الاتحاد الوطني الكردستاني طرد في خانقين نحو 600 عائلة عربية أو زهاء 4000 شخص، بحسب منظمة مراقبة حقوق الإنسان Human Rights Watch ، فيما هُجر على ما يبدو نحو ألفي عربي من بيوتهم بعد أن هددت قوات البشمركة التابعة للاتحاد مجموعة قرى بُنيت للوافدين العرب على أرض كردية جنوبي المدينة. وفي المدينة نفسها وقعت حوادث ترهيب معزولة استهدفت عرباً يشغلون ممتلكات كردية سابقاً لكنها حوادث لا تُقارن بحمام الدم الإثني الذي توقعه كثيرون قبل الحرب. ولهذا أسباب عدة، أولها أن الولايات المتحدة قامت، على ما يبدو، بمجهود صادق لمنع حدوث عمليات تطهير عرقي "معاكس". وتلاحظ منظمة مراقبة حقوق الإنسان أن المسؤولين الأميركيين "اتخذوا خطوات حازمة لمكافحة إجلاء العرب وغيرهم من الفئات المستضعفة بالإكراه.....فعندما تتمركز القوات الأميركية في منطقة ما تنفذ عادة سياسة لا تتسامح مع "خطف البيوت" وتعلن أن شاغل البيت وقت وصول القوات الأميركية يستطيع البقاء في البيت حتى ايجاد آليات لتسوية نزاعات المُلكية. ثانياً، إن قادة الحزبين الكرديين الرئيسين التزموا بأن تكون عودة الكرد إلى المناطق المشمولة بالتعريب وتسوية نزاعات المُلكية عملية منتظمة وقانونية، وبالتالي فانهم تحلوا بضبط النفس في غالبية تحركاتهم. ثالثاً، أن الكثير من العرب الوافدين، لا سيما في المناطق الريفية، اختاروا الرحيل بإرادتهم خلال الحرب تاركين الأرض للعائدين من أفراد الأقليات غير العربية. وأخيراً، إن عدد الكرد المهجرين الذين أُعطيت ممتلكاتهم إلى عرب أُعيد توطينهم، كان في كركوك نفسها عدداً محدوداً على الأرجح. فقد جرى تغيير التركيب السكاني للمدينة باستراتيجيات متعددة ـ تدمير أحياء كردية كاملة مثل منطقة الشورجة وطرد أهلها وبناء أحياء جديدة للعرب الوافدين مثل حي القادسية، وعموماً إجلاء الكرد وغيرهم من أفراد الأقليات من البيوت المستأجَرة لا المملوكة. ولم تشتمل أي من هذه الاستراتيجيات على إعطاء ممتلكات أصحابها من الكرد، مباشرة إلى الوافدين العرب وبالتالي لم تكن هناك قضية كرد عائدين يطردون عرباً يشغلون بيوتهم بالقوة. والحق أن مشكلة الكرد العائدين إلى المدينة كانت أساساً مشكلة لوجيستية ولا تمت بصلة إلى قلاقل أهلية. وإن الكثير من الكرد العائدين كانوا لا يمتلكون بيوتا يعودون إليها فيما صدرت توجيهات إلى آخرين بالتريث إلى حين استحداث آلية لتسوية نزاعات المُلكية. وأُقيمت مراكز مؤقتة لإيواء اللاجئين في أنحاء المدينة. ومن أكبر هذه المراكز ملعب الشورجة لكرة القدم الذي كان بحلول حزيران يضم أكثر من 700 عائد كردي يعيشون في ظروف بائسة داخل الملعب. كانت غالبية حوادث العنف التي وقعت بين كرد وعرب في الأشهر الأولى بعد الاحتلال من تداعيات نزاعات وقعت في مدن وقرى مجاورة. ففي منتصف أيار على سبيل المثال فجَّر إضرام النار في قرى عربية، خارج كركوك، معركة بين عرب من أهل كركوك وكرد في شوارع المدينة أسفرت عن مقتل عشرة أشخاص في الأقل. ولكن بحلول الصيف بدأت أعمال العنف في كركوك تتخذ منحى مشؤوماً نحو الأسوأ. انطلاق التمرد المسلح ينسب غالبية المراقبين بداية التمرد المسلح في العراق إلى أحداث الفلوجة في أواخر نيسان 2003. فخلال تظاهرة خرجت في المدينة احتجاجاً على احتلال الجيش الأميركي مدرسة في المدينة قُتل سبعة عشر شخصاً وأُصيب خمسة وسبعون آخرون عندما فتحت القوات الأميركية نيران أسلحتها على المتظاهرين. وخلال المدة الواقعة بين 1 أيار، يوم الاعلان رسمياً عن انتهاء العمليات القتالية الكبرى، و21 تموز قُتل واحد وثلاثون جندياً اميركياً على أيدي المتمردين الذين كانت صفوفهم آخذة في الاتساع. وجاء أول مؤشر إلى ظهور مقاومة منظَّمة ضد الوجود الأميركي في محافظة كركوك في منتصف، عندما تعرض رتل عسكري أميركي إلى كمين في قرية "سيحا" على الطريق بين كركوك ومدينة حويجة العربية السنّية. وبحلول أوائل حزيران أُبلغ عن أول عمل تخريبي منظَّم ضد منشآت النفط في كركوك. وابتداء من ذلك اليوم أصبحت محاولات تعطيل ضخ النفط من كركوك باستهداف الأنبوب الذي يمتد جنوباً إلى مصفى بيجي، حدثاً يكاد يكون أسبوعياً. وفي المدة الواقعة بين حزيران وكانون الأول 2003 سجلت وزارة النفط العراقية 84 عملاً تخريبياً ضد منشآت النفط والغاز في العراق، غالبيتها وقعت في الشمال. وكما قال ناطق باسم الوزارة فإنه "ما أن نُبلغ عن تصليح الأنبوب الممتد بين كركوك وجيهان في تركيا حتى نواجه في اليوم التالي عملاً تخريبياً ضده". وبحلول كانون الأول تسبب توالي الهجمات على منشآت النفط، سواء منافذ التصدير أو شبكة التوزيع المحلية، في إقدام العراق الغني بالنفط على استيراد 40 في المئة من احتياجاته المحلية. وخلال المدة نفسها تقريباً وقع 18 هجوماً على محطات الطاقة الكهربائية أيضاً في كركوك. وأدى أول هذه الهجمات، في 9 أيلول، إلى انقطاع الكهرباء من خط رئيس كان يغذي محطة لضخ الماء تاركاً سكان المدينة عن بكرة أبيهم من دون ماء للشرب طيلة ثلاثة أيام. وبوجود قوات قليلة نسبياً في شمالي العراق، كانت الولايات المتحدة تفتقر إلى القوى البشرية المطلوبة لحماية حقول كركوك النفطية العملاقة والمنشآت المرتبطة بها. لذا اضطر الجيش الأميركي في تموز إلى الاعتماد على أسلوب معروف ومجرَّب كان يستعمله النظام السابق ـ دفع مبالغ مالية إلى العشائر المحلية لحماية الأنابيب التي تمر عبر أراضيها. وكانت التجارب الأولى في استعمال هذا الاسلوب لا تبعث على الاطمئنان. فعلى سبيل المثال أدى اتفاق حماية بقيمة 6 آلاف دولار لمدة ثلاثة أشهر وُقع مع الشيخ حاتم العاصي العبيدي في 17 تموز إلى تزايد الهجمات في الحقيقة على المقطع المشمول بالاتفاق من الأنبوب، واعتقال الشيخ نفسه. وفي محاولة لايجاد حل أكثر ديمومة للمشكلة منحت سلطة الائتلاف الموقتة عقداً بقيمة 40 مليون دولار إلى شركة ارينيز Erinys الجنوب افريقية لتشكيل قوة مهمتها حماية المنشآت النفطية تحت رقابة الجيش الأميركي. وعندما كان يجري تجنيد وتدريب قوات الشرطة النفطية البالغ تعدادها 10 آلاف عنصر، ظلت الولايات المتحدة تعتمد على العشائر العربية السنّية، وفي خطوة أكثر إثارة للجدل، على قوات البشمركة الكردية لحماية المنشآت النفطية.
تأليف ليام أندرسن وغاريث ستانسفيلد
|