العدد 2276 في 3-5-2012

العودة الى الصفحة الرئيسية

الصفحة الأولى

هذا الصباح

مكاشفات

الملف الأمني

شؤون عراقية

شؤون عربية

شؤون دولية

سياسية

آراء وأفكار

ثقافة

تحقيقات ومقابلات

رياضة

اقليم كوردستان

الشؤون الأقتصادية

ملحقات

علوم وتكنولوجيا

الانتخابات والدستور

منوعات

الصفحة الأخيرة

English Articles

 

 

الصنمية والعقلانية والأخلاق

2012-05-02

 فاخر السلطان*
بين صور العيش في المجتمع المدني الحديث وصور العيش بالنموذج التاريخي، يصرّ التيار الديني على اختيار نمط علاقة خاص، يبرز خلاله تداخل واضح بين الصور، أدى إلى تشكيل لوحة حياة غير طبيعية، لوحة تشتمل على تناقضات الجمع بين القديم والحديث، بين المقدس والمدنس، الطبيعي وما بعد الطبيعي.
ويصعب في إطار هذا التداخل الوصول إلى صيغة خاصة من التوافق. فالمقدس يستعين بتعاليه ويستند إلى فوقيته، ما يصعب نفوذ المدنس في ثناياه. والقديم لا يستطيع فرض شروطه التاريخية على الحديث، ما يجعل التعايش بينهما ضيقا إلى أبعد الحدود. فتبدو الحياة الطبيعية إذاً بعيدة في شروطها وفي قوانين عيشها عن الحياة ما بعد الطبيعية. ويصبح سعي البعض للتوصل إلى مشروع يحتوي على القديم المقدس والحديث المدنس، سعيا متناقضا.
التناقض يستند إلى «تصنيم» الأمر القديم، في مقابل «عقلنة» الأمر الحديث. وهذا المنحى يؤجج الصراع، بين مزاعم أن تكون المسائل قطعية مطلقة وصالحة لكل زمان ومكان، وبين تلك النسبية التي تخضع لشروط وظروف كل زمان ومكان. فالأولى تنتهي إلى اعتبارها قاعدة واحدة لا يخالها التغيير، والثانية تتسم بصفة القاعدة القابلة للتغيير باستمرار.
ويعتبر «الواقع» هو المحك الرئيسي الذي يمكن من خلاله اختبار قدرة «التصنيم» أو «العقلنة» على مواجهة الظروف والمتغيرات وصولا إلى طرح الرؤى والحلول. ويبدو «التصنيم»هنا بعيدا عن مجاراة «الواقع»، نظرا لخلفيته الزمان مكانية القطعية، ورؤيته التقديسية النهائية للقانون.
وينطلق القانون المتكئ على الرؤية «التصنيمية» من وجهة مطلقة، وهذا يساهم في منع ظهور أي من حالات «الشك» تجاهه. فحينما يصبح القانون مطلقا، لأنه يصدر عن رؤية تاريخية دينية «صنمية»، لا يمكن بأي حال من الأحول الشك في صحته أو في قدرته على معالجة الأوضاع والمشاكل، وأي مسعى للشك، ولإزالة هذا القانون، سيعتبر أمرا معاديا للدين. ومحصلة عدم القدرة على تغيير القانون، هي استمرار الأوضاع، بمشاكلها وتناقضاتها، وبقاء الحلول جامدة، وتحميل الدين مسؤولية ذلك، مما يؤثر على الدور الروحي للدين في المجتمع.
وبما أن «تصنيم» القديم يطغى على رؤى التيار الديني ويسيطر على طرحه للقوانين، فإن صِدامه الرئيسي سيكون مع الفرد في العصر الحديث، الذي هو أساس هذا العصر، والذي يختلف عن الفرد القديم، وبالذات في عنوان التحرر. حيث سيعجز «التصنيم» عن معالجة المسائل المرتبطة بحرية الفرد في عناوين متعلقة بالرأي والتعبير والسلوك والإكراه.
وتعتبر قضية «الارتداد عن الدين» صورة من الصور الكثيرة التي يقف القانون القديم المتكئ إلى «الصنمية» عاجزا عن وضع حلول حديثة لها، بسبب اختلاف الأسس التي يقف عليها القانون القديم، عن ذلك الحديث، في رؤيته، ومعالجاته لموضوع الحرية، وفي علاقة ذلك بأصالة الفرد. لقد بدا واضحا في قضية اعتقال وحجز المواطن الكويتي حمد النقي، المتهم بشتم نبي الإسلام، اختلاف الرؤى بين التيار الديني والتيار العلماني، في نظرتهما إلى أصل القضية، وفي التهمة التي يراد أن توجه إلى النقي (الارتداد)، وفي العقوبة المتوقعة عليه. حيث ينظر الأول إلى المسائل الثلاث نظرة جزائية دينية قديمة، بينما يريد الثاني أن يتكئ إلى النظرة الحقوقية الحديثة. فلا يبدو التيار الديني قادرا على طرح معالجة واقعية للقضية تستند إلى زعم بعض منتميه تبني ثقافة حديثة، منها الالتزام بالحرية والتعددية واحترام حقوق الإنسان. كما لا يبدو التيار العلماني قادرا على الدفاع عن النقي بصورة واقعية، فيما يفتقد رؤية دينية جديدة متصالحة مع مفاهيم الحياة الحديثة. لذا يبدو التصادم السياسي والثقافي بين الطرفين مرجّحا.
ما يحتاجه التيار العلماني في هذا الظرف بالذات هو تبني «الليبرالية الدينية»، حسب تعبير المفكر الإيراني مصطفى ملكيان، وذلك لمعالجة مثل تلك القضايا الحقوقية، بحيث لا تنتهي بالضرر على الدين ولا تبتعد في رؤاها عن الثقافة الإنسانية الحديثة. فالليبرالية الدينية، كما يقول ملكيان، تساهم في «تحطيم التزمت والجمود الذي تتسم به النظم الفكرية القديمة التي انبثقت وترعرعت في تربة الثقافة الدينية»، و»تحاول في الوقت ذاته الحفاظ على حقائق الدين الأصلية، وإعادة طرحها بتعابير أخرى في إطار النظم الفكرية الجديدة». هذه الرؤية الفكرية للدين، المتصالحة مع الحداثة، ينبع منها نظرة حقوقية حديثة تجاه قضايا شبيهة بقضية النقي، وبغيرها من القضايا التي دأب التيار الديني على معالجتها بصورة نصية ماضوية نهائية، أو بصورة «صنمية».
يشير ملكيان إلى أن النظرة الليبرالية للدين تستند إلى أولية الأخلاق ثم العقائد ثم العبادات، بينما تشدد النظرة الدينية التقليدية على العقائد ثم على العبادات ثم الأخلاق. وهذا إن دل إنما يدلل على أهمية موضوع الحقوق في علاقته بالأخلاق الحديثة لدى الليبراليين الدينيين، وبروزه على موضوع العقائد، مما قد ينعكس إيجابا على رؤيتهم للقضايا والأحداث، الدينية وغير الدينية، في علاقتها بحقوق الإنسان. في حين أن أولية عنصر العقائد في النظرة الدينية التقليدية تحتم على أنصار تلك النظرة الحفاظ على العناصر الداخلة في تكوين العقيدة بمختلف صورها التاريخية البحتة، أي مهما كان ثمن ذلك على الأخلاق ودون أي مراعاة للحقوق الحديثة للإنسان.
العقلانية والأخلاق 
يتساءل المفكر الإيراني مصطفى ملكيان: هل من العقلانية أن نعيش بصورة أخلاقية؟ بل، هل هناك أي فائدة من الحياة الأخلاقية؟ وهو تساؤل أساسي يهدف ملكيان إلى طرحه والإجابة عنه. 
بداية، فإن العقلانية التي يشير إليها ملكيان هي بمعنى ألاّ تزيد «كلفة» عمل الإنسان عن «الفائدة» المرجوة من ذلك العمل. فإذا كانت الكلفة أكبر، لن نستطيع أن نطلق على العمل بأنه عقلاني. لذلك، لا يمكن أن تكون هناك إلا حالتان عقلانيتان: الأولى وهي التي تكون فيها الفائدة أكثر من الكلفة، والثانية أن تكون الفائدة والكلفة متساويتين.
إذاً، يطرح ملكيان هنا حكما أساسيا، وهو أن الحياة الأخلاقية تحتاج إلى كلفة، لابد أن تكون أقل من الفائدة المرجوة منها، أو متساوية معها. وعلى هذا الأساس، فإن كل عمل أخلاقي من شأنه أن يتبع هذا الحكم، بل كل الحياة الإنسانية إذا ما أرادت أن تكون أخلاقية، عليها أن تستند إلى تلك العلاقة المتبادلة بين الكلفة والفائدة. وتجارب الحياة أثبتت أن كلفة الحياة الأخلاقية عالية جدا، لذلك يجب أن نعي في أي اتجاه ستصب الفائدة؟
يعتقد ملكيان أن محاسبة الكلفة والفائدة ترتبط بعوامل ثلاثة: الأول بمدى ارتباط الفرد بالحياة الأخلاقية. الثاني بمسؤولية الفرد في مراعاة الحياة الأخلاقية. الثالث بالظروف الاجتماعية التي تساهم في انتشار الحياة الأخلاقية.
وحينما يصل الإنسان إلى استنتاج يرفض وجود فائدة ترجى من الحياة الأخلاقية، سيضطر إلى انتخاب أحد طريقين: إما أنه يعيش بصورة أخلاقية ويتجاوز أي نتائج متوقعة من ذلك، أو أنه يتابع عمله ويقيس بدقة الكلفة والفائدة المرجوة من ذلك.
وحسب ما يطرح ملكيان، هناك خمس رؤى رئيسية تشرح الفائدة من الحياة الأخلاقية، وكل واحدة منها تنظر إلى الفائدة بمعايير مختلفة.
الرؤية الأولى، والتي لها أكثرية من المؤيدين عبر التاريخ، تعتقد بأن كلفة العمل الأخلاقي هي «دنيوية»، وأن الفائدة المرجوة منها هي «أخروية». بمعنى أنه لا فائدة تصب في جعبة الإنسان من العمل الأخلاقي في هذه الدنيا، بل سيتم تلقف الفوائد في الحياة بعد الموت.
هذه الرؤية تستند إلى 3 فرضيات: أ- وجود حياة بعد الموت. ب- أن طريقة الحياة بعد الموت هي نتيجة لطريقة العيش في الحياة الراهنة. ج- أن الفائدة التي سيحصل عليها الإنسان في الحياة بعد الموت بسبب العمل الأخلاقي، هي أكبر من الكلفة التي يقدمها في الحياة الراهنة، ففي النص الديني «الدنيا مزرعة الآخرة».
في الرؤية الثانية، فإن الإنسان إمّا أنه لا يؤمن بالحياة بعد الموت أو غير مبال بذلك، أو ينكر وجود دنيا أخرى أو يكون لا أدريا تجاه ذلك. ورغم أن الإنسان في هذه الرؤية ينكر وجود الحياة ما بعد الموت، لكنه يعتقد بأن فوائد الحياة الأخلاقية تفوق الكلفة التي يتم تقديمها. فالحياة الأخلاقية وفق هذه الرؤية تعني وجود فوائد «فردية» في المجتمع تسمى «مطالب اجتماعية»، ويمكن الإشارة إليها في أمثلة الثروة والقوة والمقام والشهرة والجاه. فالفرد هنا يقدّم كلفة معينة في سبيل أن يمارس حياة أخلاقية، ومن ثَمّ يصل إلى بعض أمانيه الفردية التي تتماشى مع ظروف المجتمع.
لكن التاريخ يشير إلى أنه: لكي نمارس عملا أخلاقيا، يجب أن لا نفكر بمفردات مثل الثروة والقوة والشهرة و..و..و..، وأنه لابد أن نضعها خلفنا، وأن الإنتماء إلى أي عمل أخلاقي هو بمعنى فقدان الميزات الفردية لتلك المفردات.
الرؤية الثالثة تعتقد بأن الفائدة المرجوة من العمل الأخلاقي هي فائدة «اجتماعية»، وأنه يمكن تحقيقها في إطار ظروف المجتمع. فالعمل الأخلاقي، وفق هذا المعنى، يساهم في تحقيق خمس ميزات للمجتمع، وهي: النظام، الأمن، الرفاهية، العدالة، الحرية. ويعتقد ملكيان بأن هذه الرؤية تحتوي على نقاط ضعف عديدة. فلكي تتحقق هذه الرؤية في المجتمع لابد أن يعيش جميع أفراده - وليس جزء صغير منه - بصورة أخلاقية. أي أننا هنا سنكون أمام معضلة أساسية وهي «إما الكل، أو لاشيء». ولو افترضنا بأن جميع أفراد المجتمع يعيشون بصورة أخلاقية، فإن الفائدة المرجوة من العمل الأخلاقي ستكون من نصيب الأجيال القادمة ولن يتحقق للفرد أي شيء منها. نقطة الضعف الأخيرة في هذه الرؤية هي أنه من أجل وصول المجتمع إلى مرحلة النظام والأمن والرفاهية والعدالة والحرية، فإن العمل الأخلاقي شرط أساسي لتحقيق ذلك، لكنه ليس الشرط الوحيد. فلو عاش جميع أفراد المجتمع بصورة أخلاقية، لن نستطيع أن نضمن الوصول إلى تلك الميزات الخمس.
الرؤية الرابعة ترى أن الفائدة المرجوة من العمل الأخلاقي تتعلق بالشأن الفردي. بمعنى أن الشخص الذي يعيش بصورة أخلاقية، من شأنه أن يكون مرتاحا نفسيا ونشطا في داخله، حتى لو لم يحصل على أي مردود خارجي اجتماعي جراء سلوكه هذا. إذاً، العمل الأخلاقي وفق هذه الرؤية له نتائج نفسية سيكولوجية، منها: الراحة والاسترخاء والأمان الداخلي والإحساس بمعنى الحياة.
ويعتقد ملكيان بأن هذه الرؤية لها سلبيات كثيرة، وذلك لأسباب متعددة، منها أن ذلك الاحساس النفسي بالاستقرار قد ينتهي مفعوله بعد فترة زمنية معينة مما قد يؤثر على السلوك الأخلاقي للفرد نفسه. ثم، هل النتائج النفسية التي تمت الإشارة إليها ظهرت بسبب العمل الأخلاقي، أم هي نتيجة لنصائح سابقة أوصت بممارسة العمل الأخلاقي؟ بمعنى، هل الصدق يجلب للفرد الراحة والاستقرار النفسي، أم الصدق هو بمعنى الاعتقاد بضرورة قول الصدق؟. وأخيرا، تشير التجربة التاريخية إلى أن من عاش بصورة أخلاقية في المجتمع، لم يصل إلى النتائج النفسية التي تمت الإشارة إليها، فالعديد من المؤمنين الصادقين قد لا يعيشون بصورة نفسية مريحة.
الرؤية الخامسة تختلف عن جميع الرؤى السابقة التي كانت ترى في العمل الأخلاقي وسيلة للوصول إلى هدف آخر، سواء كان ذلك الهدف اجتماعيا أو كان نفسيا أو جاء لتحقيق فائدة أخروية. فهي رؤى ارتبطت بأهداف خارجية ولم تكن تعمل لذاتها هي. في حين أن الرؤية الخامسة ترى لذة في ذات العمل الأخلاقي، وتعتقد بأنها جذابة بعيدا عن أي ارتباط خارجي. مثال على ذلك، أن الصدق وعدم الكذب هو عمل جذاب في ذاته، ولا ننتظر منه مكسبا خارجيا، ولا يعتبر وسيلة للحصول على غاية أخرى فردية كانت أو اجتماعية. فالرؤى الأربع الأولى كانت تهدف لتحقيق مطلب آخر، في حين أن الرؤية الخامسة هدفت إلى «حب الخير» ولو لم يكن في ذلك أي فائدة ترجى.
لذا، الجواب على السؤال: «هل هناك فائدة من الحياة الأخلاقية؟» أو «لماذا يجب علينا أن نعيش بصورة أخلاقية؟»، قد يعني أن نودّع الحياة الأخلاقية وفق الرؤى الأربع، في حين نستطيع أن نتأمل العيش بصورة أخلاقية، وفق الرؤية الخامسة، حينما نمتنع عن اعتباره وسيلة، بل حينما نعتبره هدفا في ذاته.
*كاتب كويتي 
عن شفاف الشرق الاوسط




 

أطبع المقال

 
كتاب الصباح الجديد  |   أرشيف الكاريكاتير  |   من نحن  |   اتصل بنا  |   أرشيف الجريدة  |   رسائل القراء  |   تحميل وثائق

جميع الحقوق محفوظة لدى جريدة الصباح الجديد 2004 - 2009