تحولت وجدانية أولئك البائسين الى عويل بإتجاه السماء، سلبتهم صرخات الاستنجاد الشعور بأخوية الكائن المجاور لهم في الجحيم الأرضي، رتق لهم الوهم مساحة لغيبوبة تضرب في مهاوي التاريخ، من ذا الذي يراهن على التماعات لا تخبئ وجه المطر؟ إنهم يبكون بعيون مستنفدة منذ قرون بعيدة، فليس للزرقة الضاربة في العمق الا الصمت، والا همس لا يكاد يسمع مثل خفق النجوم، لعلها أغنية الملائكة في ليالي الوحشة؟ هل سمعتم بأغنية للملائكة؟ لماذا إذن تركضون مثل مجنون الحي خلف ضجة السوق أيها السائرون نياماً؟ وتتساءلون عن النبأ العظيم؟ كانت الحكمة رديفة للصدق في عهد أثينا، لكنها اليوم مطمورة تحت ركام الحديد وخضرة الدولارات!
يا لها من حقبة تصطنع لها مهرجين يحملون سحنة واحدة تبعث على الغثيان! لم يعد في مقدورنا الإصغاء لكل هذا الهراء، نريد المرور هل يمكننا المرور عبر هذه المهزلة؟ هل قدر لنا الجلوس في مسرح المهازل بطريقة قسرية مقيدين بسلطة العجز والحنين على مقاعدنا؟ طوبى للهاربين من لجة الفوضى، ومن خفقوا بأجنحتهم ونزعوا عنهم الدرك الأسفل من الجحيم، فليس ها هنا الا السخام الذي يسود وجوه الحاضرين في مهرجان الزبانية.
لعل في خارطة العالم بقعة بيضاء، مساحة تذكر بالحياة الفانية، لم يعد في اللغة مكان لأحد، أصبحت ثغاء ماشية ومكباً للنفايات البشرية، ليتنا جميعاً نخلد للصمت أو نبتكر طريقة أخرى نفكر فيها فلا تصيبنا لعنة التاريخ، لا تكلف نفسك عناء النطق فكل ما تحرك به لسانك لا يعني شيئاً، إنك تردد نفايات ميتة، وما جدوى اغتراف البحر أو عد الرمال في الصحراء؟ إنه الغرق أو الدفن هل تريد الغوص الى أعماقك؟ اخلد الى الصمت وأغمض عينيك طويلاً لتستعيد شيئاً من هواء النشوة الضائعة، نحن غرقى في لجتين من الحندس والبيد مثلما قال الشاعر المبصر قبل قرون، ومثلما قالت نشرة الأخبار التي تذكر بموتنا الأزلي، نحن منفيون خارج العالم فما يجدينا أن نقهقه في لحظات سكرنا أيها النائمون؟
مع فلسفة دولوز وغوصه العميق للبحث عن المعنى يشتعل التنور، يحيط بي دخان تنور جارتي الريفية البدينة، يدخل من نافذة غرفتي الغارقة في الغبار والكتب، أي معجزة تخرج من احتراق البلاستك وأفكار فيلسوف منتحر؟ تذكر يا صديقي أنك في العراق! بغداد مدينة السلام والسخام...
يا لها من معجزة هذه التي تلقي بصاحبها الى أتون بلا قرار!
قلت له في الموبايل: لست يائساً.
كنت أعني أنني لم أعد قادراً على ذلك، كل ما أملكه الآن دموع الكائن وهو يراقب حركة الليل والنهار، وهما يحملان لي صدى تاريخ ضارب في القدم، يذكرني بتفاصيل حكاية ما، كان أبطالها الأسطوريون يجوبون في ذات البقعة، يرقصون فرحاً بالحياة، وأنا أصدق تلك الهمهمة، نعم أصدقها حين أخلد في ساعات الخمود الى نفسي، أرهف السمع طويلاً الى ما تأتي به الجدران، أو ما يتردد فوق رأسي مثل خفاش أخطأ طريقه ودخل غرفتي ذات مرة وظل يدور بلا توقف، ثم ما لبث أن سقط بضربة المروحة، حدث هذا في الصيف الماضي ولا أعرف حقاً لماذا تذكرته الآن؟