مظهر عارف*
أصبحت الوطنية من آثام الماضي وباتت العمالة للغير مصدر فخر لأصحابها وبدل مثقفون ومفكرون اراءهم وتحولوا إلى دعاة للهزيمة واليأس وتبرير الجرائم.عندما يتم تطبيق قياسات ومفاهيم علم السياسة على عبد الكريم قاسم، فاننا سنجد أن تلك القياسات والمفاهيم لا تنطبق على الرجل الذي قاد بلداً مثل العراق متعدد المذاهب والأعراق والاتجاهات السياسية لمدة خمس سنوات، فعبد الكريم قاسم كان مجرد عسكري لم يسمع به أحد خارج نطاق الجيش وكان العراق في حاجة إلى سياسيين محترفين غير مدفوعين بالعواطف وغيرها يضعوا في حساباتهم موقع العراق الجغرافي في الشرق الأوسط وعلاقاته مع الغرب وعضويته في حلف بغداد والاتحاد الهاشمي مع الأردن قبل البدء بأي عمل في مستوى الثورة و وضع استراتيجة تغطي مرحلة كاملة مع وجود تكتيكات سياسية مرافقة قابلة للتغيير حسب تطورات الوضع الإقليمي والدولي. إلا أن كل هذا لم يحدث سواء على مستوى الدولة التي قادها عبد الكريم قاسم بوجود مجلس سيادة بقيادة نجيب الربيعي أم على مستوى القوى المشاركة في الثورة وهذا كله ساعد في سنوات أخرى على إسقاط النظام وأعدام عبد الكريم قاسم مع عدد آخر من الضباط في مبنى الأذاعة والتلفزيون بعد أسره في مبنى وزارة الدفاع وتنظيم أكبر مذبحة ضد الشعب والقوى الأخرى المناهضة للاتقلابين في تاريخ العراق منذ أيام هولاكو على أيدي قادة الانقلاب في 8 شباط.
قبل قيام الثورة في العراق خاطب عبد الناصر رئيس الوزراء العراقي عبد الوهاب مرجان في اجتماع شعبي حاشد في القاهرة قائلاً (يا مرجان سوف يأتي اليوم وهو قريب الذي سأتجول فيه في شوارع بغداد وأخطب في ساحاتها) وقامت الثورة إلا أن عبد الناصر لم يحقق وعده بالزيارة فعمل على تحقيق ذلك الوعد من خلال الاعتماد على عبد السلام عارف والقوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي وبعض الشخصيات والجهات الدينية المعروفة بعلاقتها السابقة بالنظام الملكي وبسفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وإيران وقد عبرت الشعارات التي رفعت في تلك الفترة المبكرة من عمر الثورة والداعية إلى الوحدة الفورية مع مصر والمقالات والتحليلات السياسية المتزامنة معها في الإعلام المصري عن التوجهات والمواقف الحقيقية لبعض القوى العربية إزاء العراق.
لقد رفض قاسم والعديد من الأوساط السياسية العراقية تلك الدعوات وظهرت شعارات مضادة روج لها الشيوعيون وهي تدعو للاتحاد الفدرالي بدل الوحدة مع مصر والصداقة مع الاتحاد السوفيتي. وأعلن الوزراء من البعثيين والقوميين إنسحابهم من الحكومة وانغمس عبد السلام عارف ومعه بعض الضباط في العمل ضد النظام القائم المدعوم من الشعب وأعلنت حرب مفتوحة ضد عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي والقوى الوطنيه الاخرى، وفي أحد الأيام استيقظ سكان بغداد من النوم ليجدوا أن عاصمتهم قد قسمت إلى مناطق نفوذ لحزب البعث وحركة القوميين العرب من جهة وبين الحزب الشيوعي من جهة أخرى. ولم تسلم المحافظات في شمال ووسط العراق من المصادمات بين الحلفاء السابقين في جبهة الاتحاد الوطني التي تم تشكيلها في العام 1957 وتحولت بعض تلك المحافظات إلى مناطق شبه مقفلة من قبل هذه المجموهة السياسية أو تلك.
قتل صاحبه حتى لا يقع في الأسر
في عام 1959 تعرض موكب عبد الكريم قاسم لهجوم مسلح في شارع الرشيد من قبل مجموعة من البعثيين ضمت صدام حسين وعبد الكريم شنتاف وعبد الكريم الشيخلي وعبد الوهاب الغريري الذي قتل كما أعلن رسمياً برصاصة اطلقها عبد الكريم قاسم عليه من مسدسه الشخصي بينما قالت مصادر المهاجمين وحزب البعث أن الغريري قتل على يد عبد الكريم الشيخلي بعد تعرضه لإصابة بليغة في الهجوم وذلك بأمر شخصي من صدام حسين خوفاً من اعتقاله من قبل رجال الأمن وأعترافه بعد ذلك أثناء التحقيق معه عن أسماء المهاجمين وأعضاء حزب البعث والجهات المتورطة في عملية اغتيال عبد الكريم قاسم.
يقول التاريخ العسكري لقاسم انه كان معروفاً من جانب قادته في الجيش كضابط لامع وانه غالباً ما تم تكريمه من جانب رؤسائه بسبب لياقته العسكرية العالية، وقد عمل عبد الكريم قاسم بالقرب من رئيس الوزراء نوري السعيد الذي كان يناديه باسم (كرومي) وذلك كتعبير منه عن حبه له، وعندما انخرط عبد الناصر في العمل ضدالعراق بسبب رفضه للوحده ودعمه للانقلاب الذي أدى إلى اعدام عبد الكريم ورفاقه في 8 شباط 1963 قال عسكريون سابقون شاركوا في الحرب العربية الإسرائيلية في فلسطين عام 1948 أن الرئيس المصري نسي التاريخ وتنكر لفضل قاسم عليه في معارك الفالوجة عندما قاد قواته لفك الحصار عن عبد الناصر وقواته وانقاذهم من أسر القوات الإسرائيلية.
هل ساعدته المخابرات الامريكية بالهرب لسورية؟
لقد سمع الناس بأسم صدام حسين لأول مرة عندما أذيع مع رفاقه في وسائل الإعلام العراقي عقب فشل عملية الرشيد وقد نجح في ذلك الوقت بالهرب إلى سورية بمعونة المخابرات المركزية الأمريكية كما قيل وقتها والتي استأجرت له داراً في العاصمة اللبنانية بيروت، كان صدام قد أصيب بساقه خلال عملية الهجوم على موكب عبد الكريم قاسم ولم تكن جروحه خطيرة كما قال رفيقه في الحزب الطبيب تحسين معله إلا أن عائلته وبعض رفاقه قدموا رواية أخرى مفادها أن صدام حسين أصيب بجروح خطيرة وقد أجريت له عملية جراحية تناول قبلها زجاجة كبيرة من الويسكي واستخدمت أخرى بالحجم نفسه في إجراء العملية الجراحية في ساقه لعدم وجود المخدر.
تاريخ وجغرافيا صدام
ميلاد مزور
ولد صدام حسين كما أعلن رسمياً في عام 1937 في قرية العوجة التي شهدت ميلاد صلاح الدين الإيوبي إلا أن الناس من كبار السن في العوجة وتكريت يقولون أن صدام حسين ولد بعد ذلك التاريخ بسنتين وأنه جرى تعديل تاريخ ميلاده من ساجده خير الله طلفاح المولودة في عام 1937 لأن التقاليد العربية ترفض زواج الرجل من أمرأة أكبر منه سناً، وقد اشتغل صدام حسين في صغره بعدة مهن متواضعة بأمر من عمه وزوج والدته بعد وفاة والده إبراهيم الحسن، وبسبب معاملته بقسوة ترك صدام حسين قريته وذهب إلى بغداد للعيش مع خاله خير الله طلفاح الذي تكفل برعايته. وقد أتسم سلوك صدام حسين منذ الصغر بالعنف وبهذا الصدد قال أحد اساتذته في المدرسة التي كان يدرس فيها في تكريت أنه أطلق الرصاص على منزله ليلاً بسبب فشله في الدراسة وبعد تولي صدام للسلطة في العراق قام بفصل استاذه السابق الذي حصل على شهادة عليا من فرنسا بعد ذلك مع مجموعة من اساتذة الجامعة لأسباب غير مقنعة.
أنضم صدام حسين إلى حزب البعث العربي الاشتراكي في عام 1957 وفي عام 1959 شارك في محاولة قتل الزعيم عبد الكريم قاسم وهرب إلى سورية كما أشرنا قبل قليل حيث سبقه إلى هناك أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث فؤاد الركابي وعلي صالح السعدي وحازم جواد، وقد كرم الركابي صدام لدى وصوله إلى دمشق بقالب حلوى جرى توزيعه على الحاضرين في حفل صغير أقتصر عليهم، وجرت ترقيته إلى عضو في حزب البعث آنذاك وبعد ثورة تموز 1968 رد صدام حسين على تكريم الركابي ورفاقه باعتقال الركابي وعلي صالح السعدي. وقد قتل فؤاد في سجنه على يد سجين آخر في اشتباك مفتعل وضعت تفاصيله مسبقاً بينما تعرض على صالح إلى معاملة مهينة في معتقله، وكان فؤاد الركابي قد ترك صفوف حزب البعث وتعاون مع انقلاب عبد السلام عارف ضد البعثيين في عام 1963 وتولى رئاسة تحرير صحيفة الثورة العربية التي عمل فيها أيضاً جورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ونايف حواتمة الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والزعيم الاشتراكي ورئيس جمهورية اليمن الديمقراطية في سنوات لاحقة عبد الفتاح اسماعيل. أما علي صالح السعدي فقد شكل حزباً أطلق عليه اسم حزب العمل بعد أن ترك صفوف حزب البعث أيضاً واعلن آنذاك أن البعثيين ومن معهم جاءوا إلى الحكم في شباط 1963 في قطار أمريكي.
صفعه الونداوي على وجهه
في عام 2003 قال لي رجل سوري في دمشق عرف نفسه بأنه عضو سابق في القيادة القطرية السورية لحزب البعث أنه في أحد الأيام وعندما كان يسير مع الرئيس الراحل حافظ الأسد داخل القصر الجمهوري شاهدا منذر الونداوي قائد السرب الذي قاد الهجوم الجوي على مقر عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع في عام 1963 وهو ينهال بالضرب على صدام حسين وهنا كما أضاف الرجل صاح الرئيس الأسد بالونداوي طالباً منه التوقف وعندما سأله عن السبب في هذا العراك رد عليه الونداوي قائلاً (أنه يا رفيقي العزيز عميل أمريكي وقد أندس في صفوف الحزب بطلب من الولايات المتحدة) وتابع الرجل حديثه لي قائلاً لقد كان الأسد يحب صدام حسين كثيراً إلا أن صاحبكم رد على هذا الحب بالهجوم على الرئيس الراحل واتهام سورية بالتآمر على العراق.
وهنا أود أن أذكر أنه في عام 1963 وقبل وقوع الانقلاب بليلة واحدة كنت اتولى مسؤولية الصفحة الأولى في صحيفة الثورة عندما نقلت الإذاعات خبراً مأخوذاً عن الصحافة الألمانية جاء فيه أن انقلاباً عسكرياً سوف يقع في العراق وأن الرئيس الأمريكي جون كيندي اعطى موافقته على هذا الانقلاب. وفي رواية مصدرها القاهرة أن صدام حسين كان دائم الزيارة للسفارة الأمريكية في العاصمة المصرية التي عاش ودرس فيها عام 1961 حيث حدثت اتصالات عدة بين العراقيين المنفين والأمريكيين آنذاك بموافقة الشعبة العراقية في المخابرات المصرية.
انحاز لعفلق ضد العسكر
لم يكن صدام حسين عنصراً قيادياً في حزب البعث قبل وقوع انقلاب شباط كما ذكرنا فكل شيء تحقق بعد ذلك بسنوات وقد بدأت هذه السنوات عندما وقع الانشقاق في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي بين ميشيل عفلق والجناح العسكري للحزب. وقد وقف صدام مع عفلق في ذلك الانشقاق وكوفأ على ذلك بحصوله على مراتب قيادية في الحزب.
بعد ثورة 17-30 تموز 1968 كان صدام حسين يظهر في الصور التي يبثها التلفزيون وتنشرها الصحف المحلية واقفاً خلف الرئيس أحمد حسن البكر وكنا نحن الصحفيين وغيرنا من مسؤولين ننادي صدام حسين آنذاك بأسم (الاستاذ صدام) وفي إحدى اللقاءات استشاط غضباً لان احدهم ناداه بكلمة رفيق.
لقد كان الاسم الطاغي على غيره في صفوف حزب البعث في تلك الفترة اسم المرحوم عبد الخالق السامرائي وكان صدام حسين وقتها مسؤولاً عن المكتب الفلاحي للحزب ومع ذلك فانه انخرط في تأسيس جهاز المخابرات الذي أطلق عليه اسم (حنين) نسبة إلى إحدى المعارك الإسلامية التي قادها الرسول محمد (ص) ضد اعداء الإسلام وضمت نواة التشكيل ناظم كزار وسعدون شاكر وعلي رضا ومحمد فاضل وكان قتل الشيخ عبد العزيز البدري احدى العمليات التي نفذتها المجموعة بأمر من صدام حسين وقتذاك الامر الذي أثار غضب الرئيس أحمد حسن البكر واطلق كلمات قاسية ضد صدام حسين وصلت الى مسامعه عن طريق احد اتباعه.
لقد أشتد الصراع بين صدام حسين والبكر مع مرور الوقت خاصة بعد أن أصبح الأول نائباً للثاني ولعل ما لفت الانظار آنذاك وعمق هذا الصراع قيام صدام حسين بعدة نشاطات كانت من مهام الرئيس أصلاً.
في ذلك الوقت قال لي المرحوم صفاء القبلي الموظف في مكتب المدير العام للإذاعة آنذاك محمد سعيد الصحاف أن الصحاف تلقى اتصالاً من البكر يطلب فيه منه قراءة نص قانون الإصلاح الزراعي في الإذاعة والتلفزيون فور وصوله إلى مكتبه وعندما استعد الصحاف لتنفيذ الأمر تلقى اتصالاً آخر من صدام حسين يأمره بعدم إذاعة القانون ثم اتصل به البكر معيداً أمره السابق، الا ان صدام حسين عاد وطلب من الصحاف عدم إذاعة القانون، وهكذا تبادل البكر وصدام حسين الاتصالات مع الصحاف الذي راح يصرخ ويلعن اليوم الذي صدر فيه أمر تعيينه بمنصبه مديرا عاما للاذاعة والتلفزيون وذلك قبل أن يتصلا به مؤكدين اتفاقهما على إذاعة القانون المذكور.
انقلب على البكر ليمنع وصول حافظ الأسد
كان صدور ميثاق العمل القومي في عام 1978 بين سورية والعراق أشبه بالصاعقة التي أصابت صدام حسين وزاد ت من قلقه ومخاوفه التصريحات التي أدلى بها أحمد حسن البكر ووصف فيها حافظ الأسد بأنه الأكفأ من غيره في قيادة دولة الوحدة العراقية السورية وقوله في عام 1979 أنه واثق من قدرات الأسد وما يتمتع به من حيوية وبعد نظر في العمل على تدعيم وحدة القطرين بما يخدم الأمة العربية وحلمها المنشود في لم الشمل ورص صفوفها وكان الميثاق المذكور ينص على أن يكون حافظ الأسد نائباً لرئيس دولة الوحدة كما هو معروف.
لم ينتظر صدام حسين مجيء ذلك اليوم فتحرك بسرعة لمنع قدومه وقام بصنع يوم آخر خاص به عبر عن نفسه بإعلان البكر التخلي عن كامل مسؤولياته الحزبية والرسمية لصالح نائبه الذي قاد حملة شعواء ضد مجموعة كبيرة من رفاقه بتهمة التآمر على النظام بالاتفاق مع سورية وشكل محكمة حزبية لعب فيها دور القاضي والجلاد واعدم المتهمون خارج قاعات المحكمة بالرصاص.
مرة قال لي بعض رفاق صدام حسين أنه صرح أمامهم في إحدى المرات بأنه سيكون على استعداد دائماً لقطع أصبع يده الشخصي إذا ما ارتفع في وجهه وقد طبق ذلك القول كما يبدو على رفاقه في الحزب والدولة بالاعتماد على شكوك ومخاوف غير مؤكدة، هذا وتضم قائمة ضحايا صدام حسين مجموعات كبيرة من الشخصيات البعثية وغيرها مثل حردان التكريتي وعدنان الحمداني ومحمد عايش وعبد الرزاق النايف ورشيد مصلح ومدحت الحاج سري وفاضل البراك وعبد الخالق السامرائي وعبد الكريم مصطفى نصرت وأمين بغداد المفتي ومحمد نجل الرئيس البكر الذي قتل بحادث سيارة ووزير الدفاع عدنان خيرالله الذي قتل بحادث طائرة مدبر على حد قول منسوب لوالده خير الله طلفاح وابنته ساجدة في مجالسهما أشرف عليه حسين كامل الذي قتل هو أيضاً مع شقيقه صدام كامل وعائلتيهما بعد عودتهما إلى بغداد من الأردن التي هربا إليها في وقت سابق على يد اقرباء صدام حسين بأسم العشيرة على الرغم من قراره بالعفو عن زوجي ابنتيه رغد ورنا إذا ما عادوا إلى العراق. وشملت قائمة الذين قتلوا أو اعدموا كذلك محسن الشعلان وعبد الكريم الشخيلي وغيرهما أضافة إلى الآف الجنود الذين اعدموا بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي بسبب نشاطهم المخالف لميثاق الجبهة الوطنية الموقع مع حزبهم والذي يمنع العمل السياسي لغير البعثي في الجيش العراقي والقوات المسحلة كما قال البعثيون. وشمل الاعدام مجموعة من المثقفين والصحفيين والمفكرين والأدباء والفنانين من بينهم عزيز السيد جاسم و ضرغام هاشم والمطرب صباح السهل واحد العازفين في فرقة الإذاعة والتلفزيون وعشرات غيرهم من الشخصيات العربية القومية والكردية والتركمانية والتجار ورجال الإعمال.
على الرغم من وجود البكر على رأس الحزب والدولة منذ تموز 1968 إلا أن شيئاً من عدم الثقة بالطريقة التي يدار فيها الحكم في العراق كان يسود الشارع العراقي وخاصة مع صعود نجم صدام حسين في الساحة السياسية العراقية ويبدو أن الرئيس البكر كان يمتلك القلق والمخاوف والشكوك ذاتها إلا أنه لم يكن قادراً على البوح بها أو التصرف ضدها خوفا على حياته من قبل نائبه كما ذكر عامر عبد الله القيادي البارز في الحزب الشيوعي والوزير في حكومة الجبهة الوطنية قبل انفراطها، الذي قال في اجتماع له مع بعض اصدقائه في منزله في لندن التي وصلها بعد انهيار التحالف بين البعثيين والشيوعيين أن الرئيس البكر زاره في منزله في بغداد وطلب منه دعم الحزب الشيوعي لاسقاط صدام حسين ومنعه من الانفراد بالسلطة، وبرر البكر خططه بهذا الشأن أن صدام حسين عميل أمريكي ويسعى لاعتقاله وتولي السلطة وارتكاب مذبحة في صفوف الشعب ويضيف عامر أن الحزب الشيوعي رفض طلب البكر خوفاً من أن، ذلك الطلب قد يكون جزءاً من مؤامرة يحيكها البعث ضد الحزب وإلا فما معنى أن يطلب رئيس دولة وقائد عام للقوات المسلحة من قبل حزب آخر مساعدته في تنفيذ خططه ضد نائبه.
لقد توفي البكر في منزله في عام 1982 وكان قد وضع تحت الإقامة الجبرية بأمر من صدام حسين قبل وفاته، كما ذكر ذلك بعثيون، وأضافوا أن صدام حسين هو الذي ارغمه على الاستقالة للانفراد بالسلطة وبدء مرحلة كانت هي الأصعب في تاريخ العراق السياسي واعتمدت على الحروب والمغامرات العسكرية وانتهت أخيراً باحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى.
عارف الاول وعارف الثاني
لم تكن الذكريات المريرة عن الاعمال الوحشية التي ارتكبها البعثيون في شباط1963 ضد المواطنين بعد إسقاط نظام عبد الكريم قاسم بتهمة تأييد هم للنظام السابق والتصفيق لقائد الثورة التي أقامت الجمهورية قد اختفت من أذهان الشعب العراقي عندما انقطع البث في إذاعة بغداد صبيحة يوم 17 تموز 1968 ليعود بعد قليل بالإعلان عن إسقاط نظام الرئيس عبد الرحمن عارف من قبل حزب البعث وعبد الرزاق النايف ومجموعة من الضباط الآخرين.
لقد كان النايف نفسه المسؤول عن الاستخبارات العسكرية في عهد عارف غير مرغوب فيه من قبل الشعب العراقي وعلى ذلك كله توقع الناس جولات جديدة من العنف والقتل والتعذيب من جانب الانقلابيين الجدد.
كان محررو جريدة الثورة التي صدرت بعد تأميم عبد السلام عارف للصحافة بطريقة ما فعل عبد الناصر في مصر وحملت الاسم نفسه بعد 17 تموز هم الأكثر قلقاً وخوفاً من غيرهم عند إعلان الثورة. ويعود سبب ذلك إلى الأيام القليلة التي سبقت اندلاعها ففي ذلك الوقت تلقى رئيس تحرير الصحيفة (الثورة) الدكتور حازم مشتاق وعدد من محرريها اتصالات هاتفية تهدد بتفجير الجريدة. في يوم الجمعة المقبل بعد خروج المصلين من المساجد والجوامع في بغداد بسبب دعوتها لمفكر سوري معروف بافكاره المغايرة للتشدد الاسلامي لزيارة بغداد بالتعاون مع جمعية الحقوقيين، لالقاء عدة محاضرات في العاصمة العراقية، وبالفعل قام أشخاص يرتدون الأكفان ويحملون السكاكين والهراوات بالهجوم على المكان الذي كانت تلقى فيه أولى محاضرات الدكتور السوري في منطقة المنصور واشتبكوا مع المجتمعين الذين ساندتهم قوات الشرطة واسفر الهجوم عن إصابة عدد من الاشخاص بجروح، كان من بينهم على صالح السعدي القيادي البعثي السابق وزوجته هناء التي كانت تولت إذاعة بعض بيانات الانقلابيين في شباط 1963. إلا أن يوم الجمعة مر مع ذلك دون وقوع إي حادث بسبب محاصرة الجوامع والمساجد من قبل قوات الشرطة وفرض طوق أمني حول مقر ومطبعة جريدة الثورة في شارع النضال وقيام وزير الداخلية شخصياً بالاشراف على كامل الوضع في المنطقة وخارجها.
كانت الأخبار والشائعات تترى على جريدة الثورة بعد 17 تموز وهي تتحدث عن قيام مجموعات مسلحة بقيادة صدام حسين بالهجوم على مقرات المنظمات المهنية والنقابية وخصوصاً مقرات اتحادي العمال والفلاحين والاستيلاء عليها. وقد عد رئيس تحرير الجريدة الزميل المرحوم تحسين السوز هذه الأنباء دليلاً على عدم جدية البعثيين في التحالف مع النايف وهذا ما جرى فعلاً بعد مرور 13 يوماً على إعلان الثورة. ففي الثلاثين من تموز دخل صدام حسين ومعه بعض اتباعه بالرشاشات إلى مكتب أحمد حسن البكر للتخلص من رئيس الوزراء عبد الرزاق النايف واغتياله بعد 10 سنوات من ذلك التاريخ في العاصمة البريطانية لندن.